طهران يوليو 1404
إيران على أعتاب تحول دفاعي كبير من موسكو المحبطة إلى بكين المأمولة
في أعقاب تراجع القوة الدفاعية لإيران خلال الصراع الذي دام 12 يومًا مع إسرائيل وصمت موسكو المثير للجدل تجاه الهجمات، يبدو أن إيران تعيد النظر بشكل جدي في خارطة طريقها الأمنية
في هذا التعديل الاستراتيجي، تتجه الأنظار أكثر من أي وقت مضى نحو الصين، القوة الآسيوية التي رغم حضورها الاقتصادي الكبير في الشرق الأوسط، بقيت بعيدة عن النزاعات العسكرية الإقليمية وأصبحت الآن في موقع مزود محتمل وفعال للأسلحة للجمهورية الإسلامية
أسباب التحول: روسيا العالقة والصين الحرة
قدرة روسيا المحدودة على إرسال الأسلحة إلى إيران، خصوصًا بعد استنزاف مواردها العسكرية في حرب أوكرانيا، هو أحد الأسباب الرئيسية لهذا التحول
رغم أن إيران وروسيا لديهما تاريخ من التعاون المشترك في سوريا، الملف النووي ونقل تكنولوجيا الطائرات بدون طيار، إلا أن فشل موسكو في تلبية الطلبات الدفاعية الأخيرة لطهران، بما في ذلك أنظمة الدفاع الجوي والطائرات المتقدمة، دفع إيران نحو خيارات بديلة
في المقابل، تبنت الصين سياسة حذرة ولكن نشطة، حيث ظلت بعيدة عن النزاعات المباشرة في الشرق الأوسط، بينما واصلت التعاون الدفاعي المحدود ولكن الفعال مع إيران من خلال مناورات بحرية ثلاثية مع روسيا ونقل بعض التقنيات ذات الاستخدام المزدوج
هذا الوضع الخاص جعل من بكين خيارًا جذابًا لإيران
طهران تحت ظل التهديد في البحث عن الردع
يعتقد الخبراء العسكريون أن الحرب الأخيرة بين إيران وإسرائيل كانت نقطة تحول في إضعاف الهيكل الدفاعي للجمهورية الإسلامية. تشير الأدلة إلى ضعف شديد في الأجواء الإيرانية، تعطيل أنظمة الرصد، تعطل أجزاء من الترسانة الصاروخية وسقوط ضحايا بين القادة العسكريين والخبراء النوويين
هونغدا فان، أستاذ في جامعة شانغهاي، يرى في هذا السياق أن الدفاع الجوي هو الأولوية الفورية لإيران، ويقول إن التطورات الأخيرة في الصين في تصميم الطائرات وأنظمة الدفاع قد أوجدت فرصة فريدة لهذا البلد لسد بعض الفجوات الدفاعية لإيران
وأضاف أن نظرة إيران إلى الصين، في حال إعادة النظر الاستراتيجية في سياستها الخارجية، يمكن أن تؤدي إلى شراكة أطول
تاريخ التعاون من جبهة العراق إلى طريق الحرير
يعود تاريخ التعاون العسكري بين إيران والصين إلى عقود مضت. خلال حرب إيران والعراق، في حين كانت القوتان العظميان في الحرب الباردة، الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، تدعمان بغداد، أصبحت الصين، رغم علاقاتها المحدودة مع العراق، أحد المصادر الرئيسية للأسلحة لطهران
بعد ذلك، حافظت الصين على سياسة التدخل الحد الأدنى وأقامت علاقات متوازنة مع دول الخليج العربي، إسرائيل وإيران، وسعت لتثبيت وجودها في المنطقة من خلال مشاريع مثل مبادرة الحزام والطريق
منذ عام 2021 ومع توقيع وثيقة الشراكة الاستراتيجية لمدة 25 عامًا بين البلدين، ظهرت آمال في تعميق التعاون العسكري، إلا أن هذا التعاون كان حتى الآن أكثر رمزية وشمل بيع مواد غير حساسة أو مناورات بحرية مشتركة
علامات جديدة على توسيع التعاون الدفاعي
ومع ذلك، في الأسابيع الأخيرة، ظهرت إشاعات عن مفاوضات لشراء طائرات J10C وأنظمة دفاع جوي صينية من قبل إيران. لم تؤكد الصين رسميًا إرسال هذه الأسلحة، لكنها لم تنفِ ذلك أيضًا
تؤكد المواقف الرسمية لبكين على الالتزام بمبادئ الحذر والمسؤولية وتجنب تصدير الأسلحة إلى المناطق المتضررة من النزاعات، إلا أن المتحدث باسم وزارة الدفاع الصينية أعلن أيضًا أن الصين ترغب في مشاركة إنجازاتها العسكرية مع الدول الصديقة
قيود التحالفات بدون بند الدفاع المتبادل
على عكس تصور بعض المراقبين، لا الاتفاقية الـ25 عامًا بين إيران والصين ولا مذكرة التفاهم الدفاعية بين طهران وموسكو تحتوي على بند للدفاع المتبادل
لا تشير أي من هذه الوثائق إلى التزام الأطراف بالتدخل العسكري في حالة نشوب صراع، مما أدى إلى نوع من التحالف بدون ضمانات
على سبيل المثال، اتخذت الصين موقفًا معتدلًا وإلى حد ما غير نشط تجاه الهجمات الأخيرة على إيران من قبل إسرائيل، كما اكتفت روسيا بالإدانة اللفظية
هذا الصمت من الحلفاء الشرقيين خلال أكثر اللحظات حرجة لإيران دفع بعض النخب السياسية إلى إعادة التفكير في التحالفات الاستراتيجية
مفترق طرق طهران: إعادة النظر أو العزلة
علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات، يعتقد أن طهران الآن عند مفترق طرق اتخاذ قرار مهم. ويقول إنه إذا أرادت إيران تعميق التعاون مع الصين، فعليها إظهار علامات على تعديل سياساتها الإقليمية وتقليل السلوكيات المكلفة
خاصة وأن الصين لديها مصالح اقتصادية واسعة في تعاملاتها مع دول مثل السعودية والإمارات وحتى إسرائيل ولا ترغب في الدخول في توترات مستنزفة
يحذر واعظ من أنه إذا استمرت إيران في كونها لاعبًا مزعجًا، فإن احتمالات التقارب العسكري الجدي مع الصين ستنخفض، ولكن إذا قامت بتعديل سلوكها، فقد تكون بكين مستعدة لاتخاذ خطوات تتجاوز المناورات الاستعراضية
الخلاصة
مع تغير ميزان القوى في المنطقة، تعيد إيران النظر في شركائها الاستراتيجيين. خيبة الأمل من موسكو، حذر بكين، الضغوط الداخلية والهشاشة الأمنية وضعت طهران في موقف إما أن تظهر مرونة أكبر في تعاملاتها الدولية أو تتجه نحو عزلة أعمق. قد يكون مستقبل الردع الإيراني لم يعد في مستودعات الأسلحة السوفيتية السابقة بل في خطوط تجميع الطائرات المقاتلة الصينية من الجيل الرابع
