التحول الكبير لأمريكا نهاية العولمة الكلاسيكية
التحول الكبير لأمريكا نهاية العولمة الكلاسيكية
وفقًا لوكالة الأنباء إيران غيت، بعد ثلاثة عقود من انتهاء توترات الحرب الباردة، يقف العالم مرة أخرى على أعتاب تحول عميق في هيكل الاقتصاد السياسي الدولي، تحول تقوده التحول الاستراتيجي للولايات المتحدة من العولمة القائمة على الكفاءة إلى الجيو-اقتصاد المعتمد على الأمن والتكنولوجيا، ويعيد تعريف نظام المنافسة بين القوى الكبرى في المستقبل.
بعد ثلاثة عقود من نهاية الحرب الباردة، يقف العالم مرة أخرى عند نقطة يمكن أن تغير هيكل الاقتصاد السياسي الدولي.
لفهم التحول الحالي للولايات المتحدة، يجب أولاً معرفة ما كانت عليه خصائص العولمة في الفترة السابقة.
كانت العولمة في تسعينيات القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين قائمة على فرضية أن تقليل الحواجز التجارية وتحرير حركة رأس المال والإنتاج وتقييد دور الحكومات في الاقتصاد سيؤدي إلى زيادة النمو العالمي وتخفيف التوترات السياسية.
في هذا النظام، كانت الشركات متعددة الجنسيات والتجارة الحرة وسلاسل التوريد الواسعة والإنتاج الرخيص في شرق آسيا هي الأعمدة الرئيسية. وكانت الولايات المتحدة تتولى القيادة السياسية والمالية والفكرية لهذا الاتجاه، وكانت تعتقد أن دمج الصين في الاقتصاد العالمي سيجعل بكين تتكيف تدريجياً مع قواعد السوق الحرة.
لكن اليوم، وبعد الأزمة المالية لعام 2008، وتصاعد التنافس الاستراتيجي بين واشنطن وبكين، وجائحة كورونا، وحرب أوكرانيا، أصبح العالم بعيدًا بشكل أساسي عن تلك الصورة. توصلت الولايات المتحدة الآن إلى استنتاج مفاده أن العولمة السابقة، رغم الفوائد الاقتصادية، قد خلقت نقاط ضعف أمنية وصناعية يمكن أن تهدد التفوق التكنولوجي والقوة الاقتصادية لهذا البلد.
من هذه النقطة، يبدأ تحول عميق، الانتقال من العولمة القائمة على الكفاءة إلى الجيو-اقتصاد المعتمد على الأمن والتكنولوجيا.
يتجسد هذا التحول في السياسة الصناعية الجديدة لواشنطن. القوانين الرئيسية التي تم تمريرها في السنوات الأخيرة، بما في ذلك قانون CHIPS لإعادة إنتاج أشباه الموصلات وتقييد تصدير الرقائق المتقدمة، وقانون IRA كحزمة دعم كبيرة للطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية، والسياسات الداعمة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحيوية، كلها تُعرّف في هذا الإطار.
هذه اللوائح تبدو اقتصادية في الظاهر، لكنها في الواقع تعيد تعريف العلاقة بين الدولة والسوق لصالح الأمن الوطني. بعد عقود من الاعتماد على السوق الحرة، ترى الولايات المتحدة الآن أن الدور الفعال للحكومة في توجيه القطاعات الاستراتيجية ضروري، ليس لاستبدال السوق، بل لتوجيه المنافسة في المجالات التي تتشابك فيها التكنولوجيا والقوة.
في قلب هذا التحول، توجد العلاقة المتزايدة بين الأمن والاقتصاد. تعتبر واشنطن الآن التجارة ليست مجرد نشاط اقتصادي، بل أداة لإدارة المنافسة الجيوسياسية.
القيود على تصدير الرقائق المتقدمة، والتحكم في نقل تكنولوجيا الكم والذكاء الاصطناعي إلى المنافسين، ومراقبة الاستثمارات الأجنبية في الصناعات الحساسة، والضغط على الشركاء الدوليين للتنسيق في تقييد التكنولوجيا الصينية، كلها تشير إلى أن في النظام الجديد، التكنولوجيا تعادل القوة، والحفاظ على الميزة التكنولوجية يعتبر شرطًا للبقاء والتفوق.
نتيجة لهذا النهج، يتحرك العالم نحو تشكيل دائرتين اقتصاديتين. دائرة تتشكل حول الولايات المتحدة وحلفائها، حيث تُبنى معايير التكنولوجيا والنظام المالي والبيانات الرقمية وسلاسل التوريد على المبادئ الغربية.
الدائرة الأخرى تتوسع حول الصين وشركائها، حيث ينشئون نظامًا موازيًا في مجالات الرقمية واللوجستية ومعايير التكنولوجيا والاستثمار بدلاً من قبول القواعد الغربية.
هاتان الدائرتان لا تعنيان بالضرورة مواجهة عسكرية، ولكنهما تشيران إلى تقسيم جيو-اقتصادي للعالم قائم على التكنولوجيا والأمن. الدول التي ترغب في تثبيت مكانتها في هذا النظام مضطرة إلى اتخاذ قرار بشأن المشاركة في أي من الدائرتين أو كيفية تحقيق التوازن بين هذين العالمين المتباعدين.
في هذا السياق، اكتسب دور الهند أهمية خاصة. الهند من بين الدول التي استطاعت الاستفادة من هذا التحول الجيو-اقتصادي. بالنسبة للولايات المتحدة، الهند ليست مجرد شريك سياسي، بل قطب محتمل لتنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد على الإنتاج الصيني. سياسة ‘صنع في الهند’ التي تركز على جذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير الصناعات المتقدمة تتماشى مع الاحتياجات الجيو-اقتصادية لواشنطن. استثمارات الشركات الكبيرة مثل آبل وفوكسكون والشركات الآسيوية لأشباه الموصلات في الهند هي نتيجة مباشرة وغير مباشرة لهذا التوافق.
الهند، مع سكانها الشباب واقتصادها المتنامي وسياستها الخارجية المرنة التي تتجنب المواجهة الكاملة مع القوى الكبرى، تمثل مثالاً للدول التي تستفيد من التنافس بين القوى الكبرى لجذب الاستثمارات والتكنولوجيا.
مع ذلك، فإن التنافس الجيو-اقتصادي لا يقتصر على مجال التكنولوجيا فقط، بل أصبح التنافس على الإعانات جزءًا لا يتجزأ منه. التنافس على الإعانات، أي الدعم المالي الذي تقدمه الحكومات لجذب الاستثمارات في الإنتاج الصناعي أو التكنولوجيا مقارنة بالمنافسين، أصبح أداة جديدة للحكومات لزيادة جاذبيتها الاقتصادية.
الولايات المتحدة، بحزم الإعانات الضخمة للطاقة النظيفة والسيارات الكهربائية والإنتاج المحلي للرقائق، أجبرت عمليًا دولًا مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وحتى كندا على تبني سياسات دعم مماثلة للحفاظ على صناعاتها.
هذا الاتجاه خلق بيئة تنافسية جديدة حيث تضطر الدول لتقديم حوافز مالية واسعة لجذب الاستثمارات الأجنبية وتطوير الصناعات الحساسة بدلاً من تقليل الحواجز.
نتيجة لذلك، يتحرك النظام الاقتصادي العالمي نحو هيكلية جديدة. عصر العولمة القائم على فتح الحدود وتقليص حجم الحكومات قد أفسح المجال لحقبة تستعيد فيها الحكومات دورًا استراتيجيًا.
لم تعد المسألة تتعلق بما إذا كان السوق الحر أكثر كفاءة أم التخطيط الحكومي، بل تتعلق بتعريف القوة الاقتصادية بناءً على الأمن التكنولوجي، الاستقلال الصناعي، والسيطرة على القطاعات الحساسة.
قواعد التجارة العالمية التي كانت تستند يومًا إلى منظمة التجارة العالمية، أصبحت الآن تحت ضغط السياسات الصناعية الجديدة، التنافس على الإعانات، وتكتلات التكنولوجيا.
في مثل هذه البيئة، تحاول الولايات المتحدة من خلال ربط الاقتصاد والأمن ليس فقط الحفاظ على الفجوة بينها وبين الصين، بل إعادة بناء قيادة النظام الاقتصادي العالمي في المستقبل.
النظام الجديد لا يسعى إلى العولمة المتكاملة، بل يقوم على إنشاء سلاسل توريد آمنة، التحكم في التقنيات الرئيسية، وإدارة المنافسة الاستراتيجية. الدول التي تستطيع تعريف مكانتها داخل هذا التحول وإعادة ترتيب أوضاعها الداخلية بما يتناسب مع الاحتياجات الجيو-اقتصادية للعالم ستصبح لاعبين مؤثرين في المستقبل. هذا التحول الكبير ليس تغييرًا مؤقتًا أو حزبيًا، بل إعادة تعريف طويلة الأمد لدور الولايات المتحدة في العالم، تحول سيشكل الاقتصاد العالمي بشكل جذري في السنوات القادمة.
