الكرملين وسيط الوحدة
ماذا تريد روسيا من حرب غزة
الكرملين وسيط الوحدة من 29 فبراير إلى 1 أو 2 مارس، دعت روسيا 14 منظمة فلسطينية لاجتماع داخلي في موسكو. من بين المشاركين سيكون هناك ممثلون من حماس وفتح والجهاد الإسلامي الفلسطيني إلى جانب قوى سياسية فلسطينية مختلفة تعمل في دول مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك سوريا ولبنان. كما يوضح ميخائيل بوغدانوف، ممثل روسيا في شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، فإن دافع موسكو لاستضافة مثل هذا الاجتماع هو مساعدة القوى الفلسطينية على التوصل إلى اتفاق سياسي بهدف الوحدة.
المنطق وراء هذا الجهد هو أن مثل هذه الوحدة ضرورية لتجاوز الأزمة الحالية واستكشاف الخيارات الحكومية لفلسطين في المرحلة ما بعد الحرب. في الواقع، كانت قضية فلسطين منذ فترة طويلة جوهر السياسة الروسية في الشرق الأوسط، وهذه ليست المرة الأولى التي يجمع فيها مسؤولو الكرملين القوى الرئيسية الفلسطينية للحوار. عُقدت اجتماعات مماثلة بانتظام في موسكو منذ عام 2011، وتبعاً لذلك في 2017، 2018، و2019.
ومع ذلك، فإن اجتماع يوم الخميس 29 فبراير مهم من عدة نواحٍ، لأنه يُعقد في وقت يمر فيه الشعب الفلسطيني بأسوأ صراع وحرب في العقود الأخيرة، ويبدو أن القادة الفلسطينيين يزدادون ارتباكاً وفوضى. كما أن الظروف الدولية والوضع الداخلي لموسكو يختلفان كثيراً عن السابق.
على الصعيد الدولي، تم تهميش روسيا تماماً من قبل الغرب وحلفائه، بما في ذلك إسرائيل، وفي ردها على هذا العزل، يبدو أن موسكو تسعى للعب دور بناء وإقامة الثقة بين دول الشرق الأوسط والدول غير المتوافقة مع الرؤية الغربية. وفي الداخل، ما يهم بوتين هو تنظيم عرض وتقديم رواية إيجابية لجمهوره الداخلي ليكون بمثابة توابل لإعادة انتخابه في الانتخابات المقبلة.
مع أخذ كل هذا في الاعتبار، وعلى الرغم من الإمكانات الجيدة لهذا الاجتماع في تحفيز وإثارة الأفكار والتفكير الداخلي الفلسطيني، فمن غير المحتمل أن يتم العثور على مفتاح الوحدة الفلسطينية أو حل حرب إسرائيل وفلسطين في موسكو. على الرغم من أن قضية فلسطين تحتل مرتبة عالية في السياسة الشرق أوسطية لروسيا، إلا أن الكرملين لا يمكنه القيام بأي شيء لإحداث تغييرات إيجابية.
النضال الفلسطيني من أجل الاستقلال هو أحد العناصر الأساسية في السياسة الشرق أوسطية لروسيا منذ إنشاء الدولة اليهودية. بالنظر إلى تلك الفترة والتعمق في التفكير السياسي لموسكو، نجد أن روسيا كانت عملياً متحالفة مع الحركات المناهضة للاستعمار التي كانت تدعم الحرية، وخاصة الاستقلال والسيادة. وبهذه الطريقة، كانت كل حركة مناهضة للإمبريالية تستحق الدعم الكامل من الروس، وكانت موسكو تقف إلى جانب الشعوب المظلومة في نضالها ضد الاستعمار.
بالنظر إلى الارتباط التاريخي ودرجة الالتزام التي لا يزال القادة الروس متمسكين بها حتى اليوم، لا شك أن موسكو لا تزال تدعم هذا النضال. ومع ذلك، كما في النصف الثاني من القرن الماضي، فإن موسكو أيضاً تدرك محدودية أدواتها وقدراتها. 29 فبراير ليس الاجتماع الأول المدعوم من روسيا بين الفصائل الفلسطينية، والذي يهدف إلى مساعدتهم على التوصل إلى اتفاق بشأن الوحدة المطلوبة.
كل الجهود السابقة أحرزت نتائج قليلة جداً. بالطبع، هذا لا يعني أن المسؤولين الروس فقدوا مصداقيتهم. على العكس، فإن جهود موسكو، رغم أنها لم تكن حاسمة، إلا أنها كانت موضع تقدير كبير من القيادة الفلسطينية والجماعات الفلسطينية. بالنظر إلى الظروف غير المسبوقة للحرب في إسرائيل وفلسطين، قد يكون اجتماع اليوم 29 فبراير حدثاً مباركاً، لكن من غير المرجح أن يتم العثور على حل للخلاف الفلسطيني في هذا الأسبوع في موسكو، وهذا الأمر معروف للجميع، بما في ذلك الروس أنفسهم.
أهداف وطموحات موسكو
من خلال عقد المفاوضات الداخلية الفلسطينية، تسعى روسيا لتحقيق عدة أهداف في وقت واحد. أولاً، هذا الاجتماع يخدم احتياجات الدعاية لموسكو. الكرملين يظهر أنه حتى في زمن الحرب مع أوكرانيا وتركيز اهتمام وموارد موسكو على مواجهة الغرب، يمكنه متابعة سياسة خارجية نشطة في اتجاهات مختلفة. بالنسبة للجمهور الداخلي الروسي، يمكن أن يظهر هذا الاجتماع أن موسكو بعيدة كل البعد عن العزلة الدولية، وبناءً على طلبها، يزور ممثلون عن قوى دولية مختلفة، بما في ذلك أولئك الذين تعتبرهم روسيا إرهابيين.
هذا الاجتماع يحمل أيضاً رسالة لشركاء الشرق الأوسط، مفادها أنه بينما تسلك أمريكا وأوروبا طريق دعم إسرائيل، تقف روسيا إلى جانب العالم العربي بمحاولتها توحيد الفلسطينيين وتعزيز موقفهم على الساحة الدولية.
في النهاية، يعد هذا الاجتماع إشارة إلى إسرائيل والغرب بأنهم استبعدوا روسيا علناً من عملية حل النزاع التي بدأوها. إذا كنتم لا تريدون التحدث معنا، فسوف نلعب ألعابنا الخاصة التي قد تسبب لكم مشكلة. ومع ذلك، فإن فرص موسكو في إنشاء كتلة فلسطينية موحدة فعالة ليست كبيرة.
علاوة على ذلك، يبقى السؤال عما إذا كان لدى روسيا الموارد أو النفوذ لمساعدة الفلسطينيين في تنفيذ القرارات التي تم التفاوض عليها. في الوقت نفسه، يجب الاعتراف بأن مستقبل العلاقات الداخلية الفلسطينية في فترة ما بعد الحرب يتم مناقشته حالياً بنشاط من قبل لاعبين دوليين وإقليميين مختلفين.
روسيا تريد بوضوح اقتراح وصياغة بنية وعلاقات فلسطين بعد انتهاء نزاع غزة بالطريقة التي تراها مناسبة، وبالتالي ضمان مكانة موسكو المستقبلية في فلسطين.
مفتاح الوحدة الفلسطينية ليس في موسكو
مسار موسكو في العقد الماضي فيما يتعلق بالمصالحة السياسية الداخلية الفلسطينية لم يكن له أداء كبير. مفتاح الوحدة الفلسطينية ليس في موسكو. ومع ذلك، نظراً لاختلاف الزمن السياسي الحالي، إذا نجح الاجتماع المعلن في جمع ممثلين رفيعي المستوى من فتح وحماس لإجراء حوار جاد حول النظام السياسي الفلسطيني، البرنامج الوطني لمنظمة التحرير الفلسطينية، القيادة الموحدة، وخريطة الطريق والرؤية الفلسطينية ليوم ما بعد الحرب في غزة، فسيكون ذلك نقطة تحول حيوية.
ومع ذلك، فإن حقيقة أن كلا الجانبين لم يشارك في أي حوار جاد منذ أكتوبر، رغم الفرص العديدة، تجعل من غير المحتمل أن يكون هذا الاجتماع في موسكو واعدًا بلقاء مثمر يتناول جذور الخلافات بين المجموعات المختلفة في فلسطين.
من وجهة نظر إسرائيل، المشكلة ليست في الاجتماع الداخلي الفلسطيني، بل في السياسة العامة لموسكو تجاه حرب غزة. تم تنفيذ الجهود الدبلوماسية الدولية المتعلقة بحرب غزة في الغالب من قبل الدول الغربية والعربية، بينما كانت روسيا دائماً على الهامش. كما في الماضي، تسعى روسيا لتعويض هذا الوضع بجمع المجموعات الفلسطينية المختلفة على أراضيها، بينما تعارض إسرائيل هذه الخطوة، من غير المرجح أن ترد عليها بشدة، لأن الاتفاقات الداخلية الفلسطينية، إذا تم التوصل إليها، ستتم على الأرجح بوساطة الدول العربية وليس روسيا.
إسرائيل أكثر قلقاً بشأن موقف روسيا العام تجاه حرب غزة وموقفها من حماس، وقد أعربت عن هذا الموضوع مؤخراً من خلال سفيرها الجديد في روسيا سيمونا هالبرين. موسكو تستخدم علاقاتها مع الفلسطينيين كوسيلة ضغط سياسي في علاقاتها المعقدة مع إسرائيل. يتم عقد هذا الاجتماع والاجتماعات السابقة مع الفلسطينيين بهدف تقديم صورة مؤثرة عن موسكو كدولة يمكنها التحدث مع جميع الأطراف المعنية في الشرق الأوسط.
على عكس الولايات المتحدة، التي تقف بشكل غير متناسب إلى جانب إسرائيل وتتحمل إلى حد ما المسؤولية عن الوضع الحالي في غزة، وعلى عكس تركيا مع أردوغان الذي يقف بوضوح إلى جانب الفلسطينيين، تريد روسيا أن تُرى كوسيط حقيقي ومنصف، رغم أن فرص نجاحها منخفضة نسبياً، وعلاقتها مع تل أبيب تضررت منذ 7 أكتوبر.
ولكن يمكن أن يساعد هذا الاجتماع روسيا في هدفها للحفاظ على إسرائيل، وسيستخدم الكرملين علاقاته مع الفلسطينيين كوسيلة ضغط سياسي في علاقاته المعقدة مع تل أبيب. استراتيجية مشابهة استخدمتها موسكو في الماضي مع تركيا، حيث استفادت من علاقاتها مع أرمينيا أو الأكراد لزيادة وزنها في العلاقة الثنائية مع أنقرة.
الجانب الداخلي لاجتماع دولي
تكمن أهمية هذا الاجتماع من المنظور الداخلي في تعزيز صورة بوتين قبل الانتخابات. وكان معظم الخبراء قبل 24 عاماً يجادلون بأن كونه عاملاً في الكي جي بي لم يكن شرطاً ضرورياً للغرب لفلاديمير بوتين، ويمكن الاستشهاد بإدارته القاسية لانتفاضة الشيشان وعواقب غرق الغواصة كورسك كشاهد. لكن معظم القادة الغربيين تجاهلوا نصائح الخبراء وحاولوا بشدة تصديق هذا الوهم بأن علاقة طبيعية مع روسيا كانت ممكنة قبل الهجوم الثاني على أوكرانيا في عام 2022.
لكن العالم غير الغربي قصة مختلفة. في هذه البلدان، بسبب عدم الثقة الشديدة في الغرب، هناك أرضية خصبة لنمو روسيا، خاصة أن حرب غزة، بسبب دعم الغرب والولايات المتحدة لإسرائيل، توفر فرصة فريدة وخاصة لروسيا. ببساطة، في الشرق الأوسط، تعمل روسيا بجرأة ولكن بمهارة أكثر.
