الأداء الضعيف لعراقجي في منصب الوزير
الأداء الضعيف لعراقجي في منصب الوزير
يبدو أن مجموعة الأداءات خلال الأشهر الستة الماضية كانت بطريقة أدت إلى أن مكانة وزارة الخارجية في ثلاثة مجالات على الأقل تتعرض للتخفيض والضعف
يبدو أن وزير الخارجية بحاجة إلى توصية جدية للاعتناء، وقبل اتخاذ أي خطوة نحو أي صفقة أو مفاوضات، من المناسب أن يتخلى قائد الجهاز الدبلوماسي عن التصرفات المتسرعة والاستعراضية والخطابات الشعاراتية التي تفتقر إلى الواقعية
كان سيد عباس عراقجي هو أول شخصية تأكد وجودها في الحكومة الرابعة عشرة
لم تقم أي جهة تقريباً بانتقاد جدي أو معارضة لعراقجي، وإذا استثنينا الأجنحة الأكثر تطرفاً من اليمين الذين يعارضون أساساً نهج التفاوض والتفاعل مع العالم، فقد استقبلت باقي التيارات السياسية وزارة عراقجي بنظرة إيجابية
حتى المتشددون لم يضعوا عراقجي ضمن خياراتهم المعارضة بشكل جدي أثناء تصويت الثقة في البرلمان، في الواقع يمكن اعتبار عراقجي من أكثر الشخصيات الحكومية توافقاً، حيث جاء إلى العمل بخطاب وأفكار توافقية
كان التوافق حول عراقجي واضحاً لدرجة أنه قبل تشكيل المجلس التوجيهي واللجان لتشكيل الحكومة الرابعة عشرة، كان اسمه يُسمع كخيار مؤكد لوزارة الخارجية
في جبهة مؤيدي الحكومة، جعلت خبرة عراقجي في فريق مفاوضات الاتفاق النووي ونائب محمد جواد ظريف في حكومة حسن روحاني، الإصلاحيين والمعتدلين يأملون فيه
في مستوى المؤسسات الحكومية والتيارات الرئيسية لليمين، جعلت خبرة عراقجي في الحرس الثوري وميوله إلى حزب مؤتلفة الإسلامي منه شخصية أكثر موثوقية من محمد جواد ظريف وحتى حسن روحاني، لدرجة أنه في فترة الحكومة الثالثة عشرة كان عراقجي بأمر من القائد أمين المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية
جعلت هذه الخبرات وزير الخارجية في حكومة التوافق في موقف ووضعية توافقية، ما كان يُعتبر في خطابات انتخابية لمسعود بزشكيان شرطاً داخلياً لحل القضايا الخارجية، كان هذا الدعم السياسي والحكومي والخبرات الإيجابية التنفيذية والدبلوماسية ما رفع التوقعات من عراقجي، ومع ذلك، بعد مرور حوالي ستة أشهر من الحكومة الرابعة عشرة، بدأ هذا الدعم يتلاشى تدريجياً
على الرغم من أن المصالح الوطنية تقتضي أن لا يتعرض وزير الخارجية، بصفته مقاماً وطنياً يمثل البلاد في الساحة الدولية، للنقد كثيراً، إلا أنه من المناسب أيضاً للوزير أن يحافظ على قدر ومكانة هذا المنصب الوطني، وبناءً على المثل القائل ‘حرمة الإمامزاده يجب أن يحافظ عليها القائم عليها’
بينما تشير أداءات الستة أشهر الماضية إلى ضعف مكانة وزارة الخارجية في ثلاثة مجالات، أولاً، على عكس حكومة حسن روحاني، في الحكومة الرابعة عشرة نشهد أن وضعية المنفذ والمشرف على المفاوضات، خاصة في مجال المحادثات المحتملة مع أمريكا، ليست واضحة، ويبدو أن هناك منافسات وتشكيلات بين التيارات المختلفة الداعمة للتفاوض تتشكل مسبقاً
بعض الشخصيات مثل علي شمخاني الأمين السابق للمجلس الأعلى للأمن القومي، على الرغم من عدم تحملهم أي مسؤولية رسمية، لا يزالون يقدمون أنفسهم كمسؤولين عن الملف النووي، ووزارة الخارجية والحكومة تلتزم الصمت إزاء هذا الادعاء، وهو صمت إذا لم يكن عن رضا، فهو ناتج عن عدم الانتباه إلى شأن ومكانة الجهاز الدبلوماسي
أو بعض مواقف سيد كمال خرازي رئيس المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، التي تم التعبير عنها في مقابلات مع وسائل الإعلام الأجنبية، على الرغم من أنها تبدو منسقة، إلا أنها تظهر بعض علامات المنافسة والأداء المستقل الذي يتجاوز العلاقات المعتادة، ويبدو أن هذا المجلس يتجاوز تدريجياً مكانة هيئة استشارية واستراتيجية ويدخل مباشرة في مجال التنفيذ الدبلوماسي
هنا أيضاً نشهد نوعاً من الصمت والجمود من الجهاز الرسمي للسياسة الخارجية
بينما في حكومة روحاني، كانت إدارة الملف النووي والمفاوضات مع الأطراف الأوروبية والأمريكية مركزة تماماً في وزارة الخارجية
بالإضافة إلى ذلك، أظهرت التجارب السابقة للمفاوضات غير الرسمية والخفية في مختلف الفترات بعد الثورة أنها لم تحقق أي فائدة للبلاد، بل زادت من الفجوات والتعارضات، وهي تجربة بلغت ذروتها في قضية مكفارلين
ثانياً، نوع سلوكيات وأحياناً تصريحات عراقجي في الأشهر الستة الماضية تبتعد عن وزير خارجية ذو خبرة ودبلوماسي معروف، وتكرار بعض الإجراءات يضر بمكانة قائد الجهاز الدبلوماسي للبلاد
الزيارات المتكررة إلى دول مختلفة في الأيام الأولى من الحكومة، حين كان خطر تورط البلاد في حرب شاملة قائماً، كان لها معنى ومفهوم، ويبدو أنها جلبت سجلاً إيجابياً لعراقجي في المئة يوم الأولى
لكن بعد ذلك، شهدنا جولة شرق أوسطية فعالة وزيارات إلى دول مهمة في المنطقة والعالم العربي، ومع مرور الوقت ابتعدت عن مستوى المبادرة الدبلوماسية وأصبحت نوعاً من العرض
زيارة بيروت في ذروة هجمات إسرائيل على لبنان، والأسوأ من ذلك، زيارة دمشق قبل أيام قليلة من سقوط بشار الأسد، تركت نقاطاً سلبية في سجل وزير الخارجية للحكومة الرابعة عشرة
في هذه الزيارات، حاول عراقجي تصوير نوع من الحضور الميداني والشجاع، وإظهار أن إيران تقف مع حلفائها في أيام الأزمة وأصعب الأوقات، لكن في الواقع، أظهر وقف إطلاق النار في لبنان، والأسوأ من ذلك، سقوط الأسد، صورة من التحليلات الخاطئة والبعيدة عن الواقع، مما قلل من مكانة إيران كلاعب فعال إلى مستوى مراقب غير فعال للأحداث
وكأن وزير الخارجية في هذه الزيارات كان يودع مكانة دبلوماسي رفيع المستوى ويتحول إلى دور سائح جريء يتجول في المطاعم والمقاهي لعرض أفضل لأفعاله
وهكذا، بعد وقف إطلاق النار، تحدث المسؤولون اللبنانيون مثل نبيه بري بلهجة غير تقليدية وانتقادية مع إيران، فما بالك بالحكام الجدد في سوريا الذين لديهم عداء أساسي مع إيران، وزيارة عراقجي في اللحظة الأخيرة زادت من حدة غضبهم
إذا كان يمكن تبرير الزيارات إلى دمشق وبيروت والحضور في المقاهي والمطاعم في هاتين العاصمتين من منظور دبلوماسية جريئة، فإن تكرار هذا السلوك في الزيارات اللاحقة، بما في ذلك الزيارة الأخيرة إلى كابل، لا يجد نفس القدر من التبرير ولا يبقى سوى سلوك سياحي متكرر
سلوكيات يمكنها تدريجياً أن تضعف مكانة وزير الخارجية كرمز رئيسي خارجي لإيران في هذه الظروف المعقدة، وتقلل من إمكانيات عراقجي
ثالثاً، كانت أكثر مجالات السياسة الخارجية تعقيداً لإيران بعد الثورة هي الولايات المتحدة، وهي مجال تحول منذ اليوم التالي للثورة إلى موضوع صراع داخلي، وبعد احتلال السفارة، زادت هالاتها السياسية والأيديولوجية وقل تأثير النظرة والخطاب الدبلوماسي فيها
المحاولات التي تمت في فترات مختلفة بشكل ظاهر وخفي لتغيير هذا الجو فشلت في كل مرة، وقام المتشددون في أمريكا أو إيران بإفشالها، وأبرز هذه الحالات كان ما آل إليه الاتفاق النووي، هذا الوضع المعقد والسجل السلبي هو الذي جعل دخول الحكومة الرابعة عشرة وأفكارها إلى موضوع المفاوضات، خاصة في ظل وجود دونالد ترامب، أكثر صعوبة من أي وقت مضى، ويواجه مقاومات جدية داخل بنية السلطة، خاصة من التيارات التي خسرت في الانتخابات
علاوة على ذلك، فإن موقف ترامب المتعالي تجاه دول مختلفة، من أوروبا وكندا وبنما إلى الصين ومصر والأردن، يجعل نقل أي رسالة حتى بشكل مشروط وضمني يواجه تكاليف سياسية وجاهية جدية
الهجمات العنيفة على محمد جواد ظريف، علي عبدالعليزاده، فاطمة مهاجراني، وحتى مسعود بزشكيان في الأسابيع الأخيرة تشير إلى حساسية الموقف في هذا المجال، ولكن أكثر من هذه الهجمات والحساسيات الداخلية التي قد تنخفض إلى حد ما مع وضوح القرار الكبير للنظام السياسي، فإن الجانب الأكثر حساسية هو كيفية التعامل مع الإدارة الأمريكية الجديدة وشخص ترامب
ترامب معروف بشكل عام كشخص غير قابل للتنبؤ بمواقف شعبوية وتصريحات صريحة وبدون مجاملات، لكن هذه الشخصية لترامب تتمتع ببعض الخصائص المعروفة، بما في ذلك أنه ينظر إلى النظام الدولي على أنه قائم على التبادل التجاري إلى حد كبير
بشكل عام، كان أحد الأسباب الرئيسية لترامب للانسحاب من الاتفاق النووي هو عدم استفادة الشركات الأمريكية اقتصادياً من الاتفاق مع إيران، وفي الوقت نفسه انتقاداته لإدارة باراك أوباما بشأن تحرير الأصول الإيرانية المجمدة
بغض النظر عن مدى استناد ادعاءات ترامب إلى الواقع أم لا، من الواضح أنه في أي موقف موجه للإدارة الأمريكية الجديدة، يجب أن يتم التحدث بطريقة تتماشى مع روحياته التجارية، في الواقع، هذا الحديث للقائد بأن نفتح أعيننا ونكون واعين مع من نتعامل ونتحدث، ينطبق أكثر من أي شخص آخر على ترامب
في الواقع، المسؤولية الجدية للجهاز الدبلوماسي في الظروف الحالية هي استخدام جميع الأدوات الممكنة في المستويات المختلفة داخل أمريكا وكذلك في المحافل الدولية، حتى كما قال قائد الجمهورية الإسلامية، يتم الحصول على المعرفة اللازمة حول ترامب وفريق مستشاريه ووزرائه وممثليه في المنطقة، ثم بناءً على ذلك، يتم اتخاذ خطوات لتصميم ودفع السياسات الممكنة والفعالة
لكن للأسف، يُلاحظ أن وزير الخارجية، دون الانتباه إلى هذه المتطلبات، في حديثه مع قناة الجزيرة يطرح موضوعاً مثل تحرير الأصول والأموال المجمدة لإيران في أمريكا كخطوات لبناء الثقة من قبل الإدارة الأمريكية، بينما إذا تم مراعاة أدنى معرفة بروحيات وسوابق ترامب في هذا الموقف، لكان يجب أن يُقال أي شيء باستثناء المطالبات بالأموال، هذه التصريحات المثيرة للجدل تُطرح من قبل عراقجي بينما، على سبيل المثال، السيد عبدالعليزاده نائب الرئيس في التنمية البحرية يناقش إمكانية استثمار الشركات الأمريكية في إيران بعد التوصل إلى اتفاق بأسلوب يظهر فهماً لروحيات ترامب
أو كان من الممكن طرح موضوع ضرورة وجود إيران مستقرة ومتطورة وذات مستوى رفاه مناسب لمستقبل الشرق الأوسط وتقليل التوترات المستمرة في المنطقة، وهو موضوع يتناسب مع شعار ترامب حول إنهاء الحروب وإعادة السلام في الشرق الأوسط وأوكرانيا
في الواقع، ارتباط إيران بشكل أو بآخر بالحربين الرئيسيتين في العالم الحالي، كما أن التهديدات الجدية التي تواجه البلاد، يمكن مع نهج مختلف أن تشكل فرصة لإيران في الإدارة الأمريكية الجديدة
أن وزير الخارجية في مقابلاته يظهر عدم الانتباه إلى مثل هذه البديهيات ويطرح موضوعاً يمكن أن يكون الخطوة الأخيرة والنتيجة النهائية لاتفاق محتمل مع ترامب كخطوات أولية لبناء الثقة وكشرط مسبق للمفاوضات، يثير التساؤلات
مع كل هذه الأمور، يبدو أن وزير الخارجية بحاجة إلى توصية جادة للاعتناء، وقبل اتخاذ أي خطوة نحو أي صفقة أو مفاوضات، من المناسب أن يتخلى قائد الجهاز الدبلوماسي عن التصرفات المتسرعة والاستعراضية والخطابات الشعاراتية التي تفتقر إلى الواقعية
