إعادة النظر في دور قطر كوسيط إقليمي
إعادة النظر في دور قطر كوسيط إقليمي
في أعقاب أحداث 7 أكتوبر 2023 وتصاعد الصراعات في قطاع غزة، شهدت الوساطة القطرية في المنطقة تغييرات كبيرة.
تحاول هذه المذكرة من خلال استعراض تاريخ العلاقات بين قطر وحماس تقديم صورة واضحة عن التحولات الأخيرة في الموقف الدبلوماسي للدوحة وأسباب التحرك الحذر لهذا البلد تجاه أزمة غزة، لتقديم صورة واضحة عن توازن قطر الاستباقي تجاه تطورات المنطقة المستقبلية.
ظهرت قطر خلال العقدين الماضيين كواحدة من أهم الوسطاء الإقليميين. تمكنت من لعب دور في حل النزاعات الإقليمية المعقدة من خلال تبني نهج متعدد الأوجه يشمل الدبلوماسية الوقائية، الوساطة من طرف ثالث، ودعم الحلول متعددة الأطراف.
من الأمثلة البارزة على هذه الوساطات اتفاق الدوحة في عام 2020 بين طالبان والولايات المتحدة، والذي تم توقيعه في قطر. كما قامت قطر منذ عام 2013 بتوفير الأرضية اللازمة للحوار من خلال إنشاء مكتب سياسي لطالبان في الدوحة.
لم تقتصر جهود الوساطة القطرية على أفغانستان فقط.
في أزمة ليبيا عام 2022، لعبت الدوحة دوراً مهماً في منع تصاعد الحرب الأهلية من خلال استضافة محادثات بين الأطراف المتنازعة. بالإضافة إلى ذلك، سعت قطر في مفاوضات الملف النووي الإيراني إلى تقريب وجهات النظر من خلال استضافة محادثات إحياء الاتفاق النووي.
خلفية وعلاقات قطر مع حماس
على الرغم من أن العلاقات بين قطر وحماس بدأت منذ عام 2006 بعد فوز حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية، إلا أن نقطة التحول في هذه العلاقات تعود إلى عام 2012. في ذلك العام، شهدت العلاقات حدثين مهمين: الأول هو زيارة الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، أمير قطر آنذاك، التاريخية إلى قطاع غزة تحت سيطرة حماس، والتي كانت أول زيارة لزعيم عربي إلى المنطقة منذ تولي حماس السلطة في 2007. الثاني هو استضافة الدوحة للمكتب السياسي لحماس، الذي أصبح قاعدة رئيسية لصنع القرار لهذه الحركة خارج فلسطين.
لعب استقرار المكتب السياسي لحماس في الدوحة دوراً مهماً في تعزيز مكانة قطر الإقليمية. استضاف المكتب قادة بارزين من حماس، بما في ذلك إسماعيل هنية، رئيس المكتب السياسي، وخالد مشعل، رئيس حماس في الخارج، مما أتاح لقطر أن تلعب دور الوسيط في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. كما سمح وجود هذا المكتب في الدوحة لقطر بلعب دور مؤثر في إعادة إعمار غزة بعد حروب 2014 و2021 من خلال لجنة إعادة الإعمار التي تأسست في نفس العام 2012.
ومع ذلك، كانت العلاقات بين قطر وحماس دائماً تواجه تحديات. فمن جهة، تعرضت هذه العلاقات لانتقادات من الدول الغربية وحلفائها الإقليميين، ومن جهة أخرى، حاولت قطر الحفاظ على علاقات محدودة مع إسرائيل للحفاظ على دورها كوسيط. تعرضت هذه العلاقات لتحديات جدية خاصة بعد هجمات 7 أكتوبر 2023، حيث زادت الضغوط الأمريكية والإسرائيلية على قطر لزيادة الضغط على حماس.
ضغوط الولايات المتحدة وإسرائيل
أبلغت الولايات المتحدة قطر في الأسابيع الأخيرة أن وجود حماس في الدوحة لم يعد مقبولاً. زادت هذه الضغوط بعد رفض حماس لعرض وقف إطلاق النار في أكتوبر. في وقت سابق من أبريل 2024، قامت قطر بمراجعة وجود حماس بسبب تقويض جهودها من قبل السياسيين الأمريكيين والإسرائيليين، مما أدى إلى خروج مؤقت لقادة حماس إلى تركيا. المثير للاهتمام أنه بعد أسبوعين طلبت إدارة بايدن وإسرائيل من قطر دعوة حماس للعودة، لأن المفاوضات أثناء وجود قادة حماس في تركيا لم تكن فعالة.
فشل المفاوضات الأخيرة
انتهت الجولة الأخيرة من المفاوضات في منتصف أكتوبر دون نتيجة. رفضت حماس عرض وقف إطلاق النار قصير الأمد، بينما رفضت إسرائيل بعض العروض لوقف إطلاق النار طويل الأمد. كانت الخلافات الرئيسية تتركز حول المستقبل البعيد لحماس ووجود إسرائيل في غزة. أظهرت هذه الإخفاقات أن دور الوساطة القطرية، رغم الجهود الواسعة لهذا البلد، يواجه عقبات جدية.
تغيير ميزان القوى في المنطقة
أدت التطورات الأخيرة، خاصة اغتيال القادة البارزين في حماس، إلى تغيير ميزان القوى. اغتيال إسماعيل هنية في إيران في يوليو والقضاء على يحيى السنوار في غزة الشهر الماضي وضع الهيكل القيادي لحماس أمام تحديات جدية. على الرغم من وجود خلفاء محتملين مثل خليل الحية، الذي يقود مفاوضات وقف إطلاق النار لحماس، وخالد مشعل في الدوحة، إلا أن هذه التغييرات في قيادة حماس أثرت على قدرة هذه المجموعة على اتخاذ القرارات والتفاوض.
كما أن إعلان قطر بأن المكتب السياسي لحماس فقد هدفه يظهر أن الدوحة تقوم بإعادة تقييم دورها في المعادلات الإقليمية، خاصة في ظل اعتبارها حليفاً مهماً غير عضو في الناتو للولايات المتحدة وتستضيف أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط.
التوازن الاستباقي تجاه التهديدات المستقبلية
في إطار نظرية التوازن التهديد لستيفن والت، يمكن اعتبار قرار قطر الأخير بوقف الوساطة في غزة ومراجعة استضافة المكتب السياسي لحماس كرد فعل استباقي على تغيير ميزان القوى في المنطقة مع فوز ترامب في الانتخابات الرئاسية الأمريكية.
من المحتمل أن يمارس ترامب ضغوطاً أكبر على حلفاء الولايات المتحدة الإقليميين لمواكبة سياسات واشنطن، نظراً لنهجه البراغماتي وتركيزه على الصفقات في السياسة الخارجية. قطر، كحليف مهم غير عضو في الناتو للولايات المتحدة وتستضيف أكبر قاعدة جوية أمريكية في الشرق الأوسط، تدرك جيداً النهج البراغماتي لترامب في الفترة السابقة. لذلك، تفضل الدوحة، مع إدراكها أن الحفاظ على التوازن بين العلاقات مع الغرب والمجموعات الإقليمية سيكون أصعب في فترة ترامب الرئاسية الجديدة، إعادة تعريف موقفها قبل بدء الفترة الجديدة.
من منظور نظرية والت، تقوم قطر بعملية توازن تجاه تهديد نابع من عدة عوامل: أولاً، النهج الأكثر عدوانية لترامب تجاه إيران وحلفائها الإقليميين، مما يمكن أن يؤدي إلى زيادة التوترات الإقليمية. ثانياً، احتمال زيادة الضغط على الدول العربية لتطبيع العلاقات مع إسرائيل في إطار اتفاقيات إبراهيم. وثالثاً، نهج ترامب المتشدد تجاه الجماعات الإسلامية، مما يمكن أن يزيد من تكلفة استضافة حماس بالنسبة لقطر.
في ظل هذه الظروف، تتبنى قطر نهجاً استباقياً وتعلن عن وقف الوساطة في غزة ومراجعة وجود المكتب السياسي لحماس في محاولة لتجنب أي توتر محتمل مع الحكومة الأمريكية الجديدة. يظهر هذا القرار أن الدوحة في حساباتها الأمنية تعتبر التهديد الناجم عن احتمال التوتر مع حكومة ترامب أكثر جدية من التكاليف الناجمة عن تقليص دورها كوسيط في المنطقة. بعبارة أخرى، تفضل قطر، مع إدراكها لبراغماتية ونهج ترامب القائم على الصفقات، التكيف مع الظروف الجديدة قبل حدوث تحولات جديدة لتقليل الضغوط المستقبلية المحتملة.
السيناريوهات والخيارات البديلة
في أعقاب قرار قطر بوقف الوساطة في أزمة غزة، يبدو أن السيناريو الأكثر احتمالاً هو الانتقال المدروس، حيث تتحرك الدوحة بدلاً من قطع العلاقات تماماً مع حماس أو الحفاظ على الوضع الحالي نحو تقليص دورها تدريجياً.
يسمح هذا النهج لقطر بتقليل الضغوط الغربية بينما تحافظ على جزء من نفوذها الإقليمي. في هذا السيناريو، من المحتمل أن نشهد انتقالاً تدريجياً للمكتب السياسي لحماس إلى دولة ثالثة مثل تركيا، بينما تحافظ قطر على قنوات اتصال غير مباشرة وتعرف دوراً جديداً لنفسها في إطار ائتلاف متعدد الأطراف.
يبدو أنه في المستقبل القريب، سيتجه نموذج الوساطة في أزمة غزة نحو هيكل متعدد الأطراف حيث ستتولى دول مختلفة أدواراً متخصصة. في هذا الهيكل الجديد، من المحتمل أن تستضيف تركيا المكتب السياسي لحماس، وتقوم مصر بالمفاوضات الأمنية، وتقوم قطر بتوفير التمويل والدعم اللوجستي، وتقوم عمان بالوساطة الدبلوماسية. يمكن أن يوفر هذا النموذج المتعدد الأطراف توزيع المخاطر بين اللاعبين المختلفين، ويخلق مرونة أكبر في المفاوضات، ويتمتع بشرعية إقليمية أعلى.
