مجلس الإعلام لمشروع تآكل رأس المال الاجتماعي
وفقًا لوكالة أنباء إيران غيت، الاجتماع الأخير لمجلس الإعلام الحكومي مع منتقدي الحكومة الحادين لم يكن علامة على نضج التواصل ولا فتح باب الحوار، بل كان إشارة تحذيرية لأزمة أعمق في قلب حكومة بزشكيان. أزمة تبدأ من العجز في السرد وتنتهي بتآكل بطئ ولكنه خطير لرأس المال الاجتماعي للمؤيدين. المجلس الذي كان من المفترض أن يكون صوت الحكومة أصبح الآن رمزًا للصمت والجمود والارتباك الإعلامي، وتكلفة هذا الوضع لا يتحملها المنتقدون بل نفس الناشطين الذين كانوا في الأمس العمود الفقري لانتصار الحكومة الانتخابي.
مجلس الإعلام الحكومي من العجز في السرد إلى الخيانة غير المقصودة لرأس المال الاجتماعي
الاجتماع الأخير لمجلس الإعلام الحكومي مع النشطاء الإعلاميين المنتقدين كان أكثر من كونه حدثًا تواصليًا، بل تحول إلى مرآة تعكس الأزمة الأعمق لحكومة بزشكيان في مجال فهم الإعلام وإدارة السرد والحفاظ على رأس المال الاجتماعي. أزمة ليست فجائية ولا نتيجة اجتماع أو قرار خاطئ واحد، بل هي نتيجة سلسلة من عدم الفعل والتحفظات والأخطاء الاستراتيجية التي ارتكبها مجلس الإعلام الحكومي في الأشهر الماضية.
المشكلة الرئيسية ليست لماذا تتحاور الحكومة مع منتقديها، بل تكمن في أنه عندما لم تستطع الحكومة حتى الحوار مع مؤيديها، فما معنى هذا الحوار مع المنتقدين؟ حوار يتشكل ليس من موقع القوة بل من موقع الضعف، لا ينتج رأس مال بل يعلن عن الضعف ويزيده.
مجلس الإعلام مؤسسة لم تفهم الزمن
بدأ مجلس الإعلام الحكومي لبزشكيان عمله في ظروف واجهت فيها الحكومة مجموعة من الأزمات المتراكمة: اقتصاد مضطرب، مجتمع مرهق، ثقة عامة متآكلة، وفضاء إعلامي مستقطب. في مثل هذه الظروف، كان يجب أن تكون مهمة هذا المجلس بناء سرد للحكومة، سرد متماسك وشفاف وقابل للدفاع، يمكنه إقناع حتى المنتقد النزيه والحفاظ على الأقل على المؤيدين.
لكن ما حدث لم يكن سوى تعليق دائم في اتخاذ القرار الإعلامي. لم يبن المجلس سردًا، ولم يدافع عن السردات الموجودة، ولم يستطع حتى ترجمة الأزمات بلغة مفهومة للرأي العام. النتيجة كانت فراغًا معلوماتيًا تم ملؤه فورًا من قبل المعارضين والإعلام المناهض وحتى المنتقدين الداخليين. في السياسة، الفراغ السردي ليس محايدًا، فهو يعمل دائمًا ضد صاحب السلطة.
الاجتماع مع المنتقدين علامة خاطئة في الوقت الخاطئ
عُقد الاجتماع الأخير في مثل هذا السياق، اجتماع حضره شخصيات كانت منذ أشهر في الفضاء الافتراضي، وخاصة على تويتر، ليس فقط منتقدة لسياسات الحكومة بل مدمرة لشرعيتها الإعلامية. هؤلاء الأشخاص ليسوا ممثلين للرأي العام الصامت بل هم جزء من تيار صاخب معارض أو منتقد راديكالي للحكومة.
المشكلة تكمن في أن مجلس الإعلام دون أن ينظم مسبقًا مؤيدي الحكومة الإعلاميين أو يدعمهم أو حتى يستمع إليهم،
قرر فجأة أن يبدأ التفاعل من مكان كان له أكبر تكلفة رمزية.
هذا الإجراء، سواء كان مقصودًا أو غير مقصود، أرسل الرسالة بأن
الحكومة لديها وقت للمنتقدين ولكن ليس لمؤيديها.
في سياسة الاتصالات، مثل هذه الرسالة أكثر تدميرًا بكثير من قرار تنفيذي خاطئ.
تويتر ميدان مهمل وليس ميدانًا خاسرًا
كانت حملة بزشكيان الانتخابية دون مبالغة واحدة من الحملات القليلة التي استمدت جزءًا كبيرًا من طاقتها من الشبكات الاجتماعية، وخاصة تويتر. كان هذا الفضاء مكانًا لإنتاج المعنى والدفاع والإقناع وحتى التعبئة السياسية. لكن بعد الانتخابات، تصرف مجلس الإعلام الحكومي بشكل غريب وكأنه قرر أن يترك هذا الميدان على حاله.
لم يكن لديه استراتيجية واضحة للحضور الفعال، لم تُحدد خطوط اتصال مع الناشطين المؤيدين، ولم يتم تقديم الدعم الأدنى في مواجهة الهجمات المنظمة.
نتيجة لذلك، وجد الناشطون المؤيدون للحكومة أنفسهم في موقف غير متكافئ، حيث كان عليهم الدفاع عن حكومة لم تكن مستعدة حتى للدفاع عن نفسها.
هذا الوضع أدى بشكل طبيعي إلى تآكل الدافع، وزيادة الصمت، وفي النهاية تحول جزء من قاعدة الدعم نحو النقد العلني. هذا التحول لم يكن خيانة ولا انتهازية، بل كان رد فعل طبيعي على الشعور بعدم الأهمية.
أزمة الشجاعة النقطة العمياء لمجلس الإعلام
في عمق كل هذه الإخفاقات، توجد مشكلة أساسية: أزمة الشجاعة الإعلامية لمجلس الإعلام الحكومي. بدلاً من تحمل مسؤولية بناء السرد، لجأ إلى سياسة قليلة المخاطر قليلة الكلام والصبر، ولكن هذه السياسة في عالم اليوم ليست قليلة المخاطر بل شديدة التكلفة.
عندما تصمت الحكومة في اللحظات الحاسمة، عندما لا تشرح، عندما لا تدافع عن قراراتها، يُفسر هذا الصمت على أنه ضعف أو تردد أو حتى إخفاء. الاجتماع مع المنتقدين دون استجابة واضحة للرأي العام ليس علامة على النضج بل اعتراف غير مباشر بالعجز في إدارة السرد.
النتيجة النهائية تآكل هادئ ولكن عميق
ما يُرى اليوم في الفضاء الإعلامي والشبكات الاجتماعية ليس أزمة انفجارية بل تآكل تدريجي ولكنه عميق. تآكل الثقة والدافع ورأس المال الاجتماعي، خطر إذا لم يتم السيطرة عليه، سيظهر في اللحظات الحاسمة—الانتخابات، الأزمة الاقتصادية، أو التوترات الاجتماعية—على شكل عجز الحكومة عن تعبئة الرأي العام.
إذا استمر مجلس الإعلام الحكومي لبزشكيان في هذا المسار، سيتحول دون قصد إلى مؤسسة لا تساعد الحكومة فحسب، بل تصبح أحد العوامل الرئيسية في إضعافها.
نهاية مفتوحة لم يفت الأوان بعد ولكن الوقت ضيق
إعادة بناء هذا الوضع ممكنة، ولكن ليس بالاجتماعات الرمزية ولا بالمواقف التي لا تكلف شيئًا. هذه إعادة البناء تتطلب إعادة تعريف مهمة مجلس الإعلام، العودة إلى القاعدة الداعمة والاستماع إلى صوتهم، الشفافية، الصراحة والدفاع الصريح عن قرارات الحكومة، وقبول الحقيقة بأنه في حرب السرديات لا توجد حيادية.
وإلا، سيتحول مجلس الإعلام الحكومي بدلاً من أن يكون جسرًا للتواصل بين الحكومة والمجتمع إلى رمز لإهدار الفرص الإعلامية الحكومية التي فقدت رأس مالها الاجتماعي ليس في ميدان المنافسة بل في الصمت والجمود.
