روسيا الجارة الطامعة
منذ بداية التسعينيات عندما أعلنت خمس دول هي أوزبكستان، طاجيكستان، تركمانستان، قرغيزستان وكازاخستان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي، كانت الجمهورية الإسلامية الإيرانية تحاول إقامة علاقات وثيقة مع هذه الدول كصديق. كانت طهران تتمتع بخصائص فريدة يمكن تقديمها لهذه الدول.
من جهة، كانت المنطقة الحضارية المشتركة بين إيران ودول آسيا الوسطى تربطهم ببعض، ومن جهة أخرى، كان يمكن للميزة الجيوسياسية لإيران كطريق للوصول إلى المياه المفتوحة أن تخرج هذه الدول المحاصرة في اليابسة من الفخ الجغرافي. كما كانت دول آسيا الوسطى التي تحررت للتو من هيمنة الحكم الشيوعي في موسكو بعد قرن تقريبًا من الزمن، تسعى إلى تنويع علاقاتها الخارجية وفتح صفحة جديدة في السياسة الخارجية والعلاقات الدولية.
أول خطوة لإيران لتعزيز العلاقات مع آسيا الوسطى كانت بمبادرة من الرئيس الإيراني الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني وتوقيع اتفاقية النقل من الجنوب إلى الشمال وربط خطوط السكك الحديدية لآسيا الوسطى بشبكة السكك الحديدية الإيرانية. في عام 1996، مع افتتاح آخر جزء من خط السكة الحديدية مشهد-سرخس-تجن، تم ربط خطوط السكك الحديدية في آسيا الوسطى فعليًا بميناء بندر عباس وميناء الإمام الخميني في إيران واكتمل المسار الحديدي لربط دول آسيا الوسطى بالخليج الفارسي. في نفس العام، تم توقيع اتفاقية تعاون في مجال الطاقة مع تركمانستان، وبدأت إيران استيراد الغاز من تركمانستان لتزويد شمال البلاد وتبادل الغاز في تركيا وجنوب البلاد.
كان يمكن لربط النقل وخطوط الطاقة بين إيران وآسيا الوسطى أن يكون بداية تعاون واسع وطويل الأمد بين إيران وخمس دول آسيا الوسطى، لكن خلال العقود الثلاثة الماضية لم تسر الأمور وفقًا لرغبة طهران. بعض الأخطاء من جانب طهران، وحكم الأنظمة الاستبدادية في دول آسيا الوسطى، والنفوذ اللامتنازع لروسيا في هذه الدول جعل إيران غير قادرة على الاستفادة من مزاياها لتطوير العلاقات مع دول آسيا الوسطى.
منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، بذلت موسكو كل جهودها للحفاظ على منطقة نفوذ الاتحاد السوفيتي الاشتراكي تحت سيطرتها من خلال اتفاقية الدول المستقلة، ومنعت أي قوة خارجية من أن تصبح قوة مهيمنة ومنافسة في المناطق التي كانت تحت سيطرة الاتحاد السوفيتي سابقًا. رغم تقلبات القوة الروسية خلال العقود الثلاثة الماضية، إلا أن هذه القوة العالمية، رغم فشلها إلى حد كبير في الحفاظ على دول منطقة البحر البلطيق، تمكنت دائمًا من الحفاظ على سيطرتها في منطقة القوقاز الجنوبي وآسيا الوسطى.
السيطرة السياسية لموسكو في آسيا الوسطى جعلت محاولات القوى العالمية المنافسة، مثل الصين والولايات المتحدة الأمريكية، للتأثير في هذه المنطقة تفشل حتى الآن. خلال العقد الماضي، تمكنت الصين من توسيع نفوذها في دول آسيا الوسطى إلى حد كبير من خلال القروض والمشاريع الإنشائية الضخمة تحت عنوان مبادرة الحزام والطريق، ومع ذلك، لا تزال التوجهات السياسية لحكومات هذه المنطقة تحت تأثير الحكومة الروسية.
تمكنت روسيا والصين من توسيع تعاونهما في هذه المنطقة من خلال تطوير منظمة شنغهاي للتعاون، في إطار آليات أمنية في هذه المناطق. لقد تمكنت إيران مؤخرًا من الانضمام كعضو كامل في هذه المنظمة، لكن من غير الواضح ما إذا كانت إيران ستتمكن من التأثير على الآليات الأمنية في المنطقة بوجود الصين وروسيا، ويبدو أكثر أن انضمامها إلى إطار هذه المنظمة سيجعلها تتأثر بالآليات الأمنية التي وضعتها الصين وروسيا.
تحاول إيران في الوقت نفسه الانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي الذي يضم كازاخستان وقرغيزستان إلى جانب روسيا وبيلاروسيا وأرمينيا، للاستفادة من مزايا التجارة الحرة وبدون رسوم مع هذه الدول الخمس. كانت جهود إيران في السنوات الأخيرة لزيادة نفوذها في منطقة آسيا الوسطى في إطار الانضمام إلى الآليات التي وضعتها روسيا أو روسيا والصين.
ومع ذلك، فإن تعارض المصالح بين إيران وروسيا جعل إيران غير قادرة دائمًا على الاستفادة من هذه الآليات لصالحها. على سبيل المثال، بينما ترغب دول منتجة للطاقة في آسيا الوسطى في استخدام خطوط نقل الطاقة من الشرق إلى الغرب لإيصال الطاقة إلى أوروبا، فإن روسيا ليست مستعدة لقبول منافس لها في بيع الطاقة إلى أوروبا وتحاول عرقلة هذه الجهود. في مشروع الممر الشمالي-الجنوبي أيضًا، تحاول روسيا تجاوز الاتصال الإيراني بآسيا الوسطى وتوجيه الممر نحو القوقاز الجنوبي.
للوصول إلى علاقة مستقلة مع دول آسيا الوسطى، يجب على إيران، إلى جانب التعاون مع روسيا والصين، أن تعود مرة أخرى إلى وضع سياسات مستقلة ومبادرات ثنائية ومتعددة الأطراف مستقلة عن بكين وموسكو للتعاون مع آسيا الوسطى، حتى تتمكن من التخلص من العرقلة والعوائق التي تضعها روسيا.

