ممر زنگزور يعيق العلاقات الاستراتيجية بين إيران وروسيا
ممر زنگزور يعيق العلاقات الاستراتيجية بين إيران وروسيا. إعلان موقف حديث من قبل كبار المسؤولين الروس بعد زيارة فلاديمير بوتين إلى باكو حول المسار الاتصالي زنگزور في منطقة القوقاز الجنوبية زاد مرة أخرى النقاشات حول نهج روسيا تجاه الجمهورية الإسلامية الإيرانية. بدأت القصة عندما بعد هجوم أوكرانيا على الأراضي الروسية واحتلال بعض مدنها وتغير الأوضاع الميدانية في الحرب، قام فلاديمير بوتين، رئيس روسيا، لأول مرة منذ بدء الحرب مع أوكرانيا برحلة لمدة يومين إلى أذربيجان لمناقشة سبل توسيع التعاون الاستراتيجي والتحالف بين جمهورية أذربيجان وروسيا. خلال هذه الزيارة، طرح بوتين بعض الاتفاقات الأخرى وقضايا حول ممر زنگزور. بعد فترة قصيرة من هذه الزيارة، أعلن سيرجي لافروف، وزير الخارجية الروسي، أن موسكو تدعم التوقيع السريع على معاهدة السلام بين باكو ويريفان ورفع الحصار عن المسار الاتصالي.
على الرغم من أن هذا الموقف الذي هدد علنًا المصالح الوطنية الإيرانية، استدعت وزارة الخارجية للجمهورية الإسلامية السفير الروسي في طهران وأبلغت احتجاج الجمهورية الإسلامية على هذا الشريك الاستراتيجي المزعوم، لكن الروس لم يتراجعوا عن هذا القرار، بل أكدوا فقط أن موسكو تأخذ في الاعتبار مخاوف طهران وأن موقف موسكو بشأن ممر زنگزور واضح تمامًا، وما ينوون فعله فقط هو الاتصال بإيران لتوضيح الأمر. بعبارة أخرى، إبلاغ إيران بأن القرار قد اتخذ وليس لدى المسؤولين الإيرانيين خيار سوى القبول.
هذا الموقف من موسكو يأتي في وقت تم فيه إعداد النص النهائي للوثيقة الشاملة للتعاون الاستراتيجي بين البلدين للتوقيع، ويستعد البلدان لإتمامها. ومع ذلك، يبدو أن فهم روسيا للعلاقات الاستراتيجية يختلف عن فهم إيران لهذا النوع من العلاقات، ولا يعترف مسؤولو هذا البلد بأي قيود أو خطوط حمراء سوى مصالحهم وأمنهم الوطني. وفقًا للنصوص العلمية، فإن العلاقات الاستراتيجية تتطلب وجود أو مراعاة بعض الشروط والعناصر، مثل ضرورة وجود مصالح وأهداف استراتيجية في المجالات المتداخلة، وجود عدو منافس أو تهديد مشترك، وجود تفاهم حول النظام الدولي وقواعد العمل فيه، ووجود إرادة سياسية لدى القادة.
ومع ذلك، يبدو أن روسيا بدعمها لممر زنگزور قد أضرت بمعظم هذه العناصر للتعاون الاستراتيجي. في المقام الأول، فتح ممر زنگزور هو إجراء يتعارض تمامًا مع مصالح الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ولكنه في الوقت الحالي في مصلحة روسيا. مع فتح هذا الممر، سيتم قطع الاتصال الاستراتيجي لإيران مع أوروبا، بالإضافة إلى أن إيران لن يكون لها سيطرة على هذا المسار وستفقد بالطبع حق ترانزيت البضائع. من جهة أخرى، إنشاء ممر زنگزور سيقلل من جيران إيران من 15 إلى 14 دولة، وبالتالي ستتأثر المصالح الاستراتيجية والأهمية الجيوسياسية لإيران في المنطقة. ومع ذلك، فإن هذا الطريق الاتصالي في فترة العقوبات على روسيا من قبل أوروبا سيساعد موسكو على تجاوز العقوبات. من جهة أخرى، تغيرت التطورات في أوكرانيا موقع روسيا في القوقاز الجنوبي، وتريد موسكو تعزيز نفوذها في جورجيا وجمهورية أذربيجان وأرمينيا، وهو أمر يتم تنفيذه عبر ممر زنگزور. لذلك، فإن المصالح والأهداف الاستراتيجية لإيران وروسيا في هذا المجال ليست فقط مختلفة بل متعارضة.
وجود عدو منافس أو تهديد مشترك هو عامل آخر في العلاقات الاستراتيجية. على الرغم من أن روسيا وإيران قد اتفقتا في السنوات الأخيرة في عدائهما للدول الغربية، إلا أنه مع تولي رئيس جديد في إيران وإعلان مواقفه بشأن إدارة التوترات مع الغرب، توصل المسؤولون الروس إلى نتيجة مفادها أنه يجب عليهم قبل أي إجراء من قبل إيران فتح جبهات جديدة وإظهار لطهران أنهم يمكنهم تغيير كل المعادلات الإقليمية ضد إيران من خلال زيارة واحدة وعدة اتصالات. إصرار روسيا على إنشاء ممر زنگزور هو في الواقع هدية يقدمها بوتين لمنافسي إيران الإقليميين، تركيا وجمهورية أذربيجان، حيث يمكن لتركيا من خلال زنگزور إرسال بضائعها إلى جمهورية أذربيجان ومن خلال بحر قزوين إلى آسيا الوسطى، وتجد أذربيجان طريقًا مباشرًا نحو الدول الأوروبية.
وجود تفاهم حول النظام الدولي وقواعد العمل فيه هو عنصر آخر من عناصر التعاون الاستراتيجي. على الرغم من أن كلا البلدين، إيران وروسيا، يتبنيان نهجًا تجديديًا تجاه القواعد الغربية للنظام الدولي ويريدان أن يتم الاعتراف بدورهما في النظام الدولي، إلا أن تجديد روسيا هو ضمن إطار النظام، بينما تجديد إيران هو ضد النظام.
روسيا، كدولة تسعى لتحقيق هوية قوة كبيرة، لم تكن أبدًا في سعي للانسحاب من إدارة الأزمات والقضايا العالمية، وفي هذا السياق، كلما كان ذلك ضروريًا، تتماشى مع الدول الغربية وتدعم العقوبات الدولية المتعددة الأطراف ضد إيران. الآن أيضًا، مع دعم الدول الغربية لأوكرانيا في إطار الناتو، تستفيد روسيا من مساعدات إيران لكنها لم تضع كل بيضها في سلة بلدنا، وتستخدم عناصر قوتها للعب بطاقات مختلفة لإدارة أزمة أوكرانيا، بعضها مثل ممر زنگزور يضر إيران تمامًا.
فيما يتعلق بوجود إرادة سياسية لدى القادة، يبدو أنه نظرًا لاختلاف مستويات القوة بين إيران وروسيا، فإن الكرملين ليس لديه إرادة لرفع علاقاته مع طهران إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية ويفضل الحفاظ على العلاقة مع إيران في هذا الوضع القائم على المصالح. في الواقع، روسيا كقوة كبيرة على النطاق العالمي ترى أن يدها مفتوحة للعب ببطاقات اللاعبين الإقليميين مثل إيران في أي وقت وفقًا لمصالحها وتغيير المعادلات الإقليمية حسب رغبتها. للأسف، المشاكل المتعددة وعدم التوازن الذي شهدته الجمهورية الإسلامية الإيرانية في السنوات الأخيرة في سياستها الخارجية وفرت لروسيا إمكانية هذا النوع من الاستغلال.
على هذا الأساس، يبدو أن العلاقات بين إيران وروسيا ليست من نوع التعاون الاستراتيجي، بل هي أكثر من تعاون إجباري أو حذر لمواجهة الأزمات المؤقتة وتحتوي فقط على عناصر من العلاقات الاستراتيجية. هذه المسألة هي حقيقة مريرة يمكن أن تكون لها تداعيات خطيرة في السياسة الخارجية، لأن أحد الشروط المهمة لنجاح الدول في الساحة الدولية وتأمين المصالح والأمن الوطني هو امتلاك حلفاء استراتيجيين متعددين. لذلك، يجب اتخاذ تدابير لضمان أن تخرج روسيا من مستوى هذه العلاقات المؤقتة وتلتزم بإنشاء نوع من العلاقات الدائمة والاستراتيجية مع إيران. لتحقيق هذا الهدف وتحويل العلاقات مع روسيا إلى مستوى استراتيجي، يجب على إيران الوصول إلى مستوى من القوة في المنطقة يجعل روسيا مضطرة للتفاوض والتفاهم مع الجمهورية الإسلامية لدخول الملفات الإقليمية ولعب دور في غرب آسيا وبالتالي كسب الاعتبار والمكانة الدولية. بلا شك، تحقيق التوازن في السياسة الخارجية واستفادة إيران من خيارات مختلفة لتحقيق أهدافها ومصالحها سيكون خطوة إيجابية وفعالة في هذا المجال.

