الاحتجاجات العامة في إيران عودة الشارع إلى معادلات القوة
بحسب تقرير وكالة الأنباء إيران غيت، لا يمكن اعتبار الموجة الجديدة من الاحتجاجات في المدن الإيرانية المختلفة مجرد رد فعل مؤقت على الضغوط الاقتصادية. ما حدث في الأيام الأخيرة في شوارع طهران، أصفهان، مشهد، كرمانشاه، قم، أراك، همدان، وعدد من المدن الأصغر، هو قبل كل شيء إشارة إلى تراكم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية غير المحلولة. الأزمات التي تم التحذير منها لسنوات، ولكن لم يتم تقديم استجابة فعالة ومستدامة لها.
بدأت الاحتجاجات بمطالب معيشية، حيث أدى الانخفاض المستمر في قيمة الريال والتضخم العالي وتآكل القوة الشرائية لشريحة كبيرة من المجتمع إلى نقطة أصبح فيها حتى توفير الاحتياجات الأساسية صعبًا. إغلاق الأسواق والتجمعات الاحتجاجية للتجار كان مؤشرًا واضحًا على تفكك الثقة الاقتصادية. ومع ذلك، أظهرت سرعة انتشار الاحتجاجات وانضمام الطلاب والعمال والشرائح الحضرية أن القضية تتجاوز الخبز والعملة، وترتبط بالشعور باللامبالاة وفقدان الأفق الواضح.
في العديد من التجمعات، تجاوزت الشعارات المطالب الاقتصادية ووصلت إلى النقد المباشر لأسلوب إدارة البلاد وعدم الكفاءة الإدارية وغياب المساءلة. هذا التغيير في اللهجة يعبر عن فجوة عميقة بين المجتمع وهيكل اتخاذ القرار، فجوة لم تلتئم مع تكرار دورة احتجاج – قمع – صمت مؤقت، بل ازدادت عمقًا في كل مرة.
كانت ردود فعل الأجهزة الأمنية وفق النمط المألوف في السنوات الماضية تركز بشكل رئيسي على السيطرة على الشارع والتعامل القسري. تشير التقارير إلى اعتقال المتظاهرين واستخدام الغاز المسيل للدموع وفي بعض الحالات وقوع خسائر بشرية، في حين أن الشفافية اللازمة بشأن أعداد القتلى والمعتقلين غير موجودة. هذا الافتقار للشفافية بدلاً من تهدئة الأجواء زاد من عدم الثقة العامة. أظهرت التجربة أن التعامل الأمني دون تقديم حلول حقيقية يؤجل فقط المشكلة.
كانت مواقف المسؤولين الرسمية تتأرجح بشكل رئيسي بين فهم المشاكل الاقتصادية للناس والتحذير من استغلال الأعداء، وهو نهج لا يقنع شريحة كبيرة من المجتمع. التأكيد المتكرر على العوامل الخارجية دون قبول دور الهياكل الداخلية في تشكيل الأزمة ينقل رسالة مفادها أن القيادة لا تزال تتجنب النقد العميق لسياساتها.
على المستوى الدولي، كانت ردود الفعل متوقعة، حيث أبدت القلق من التعامل مع المتظاهرين ودعت إلى احترام حقوق المواطنين. لكن الواقع هو أن جذور الأزمة ليست في الضغط الخارجي، بل في العجز المزمن عن الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الفعالة التي تأخرت لسنوات.
في الخلاصة، يجب اعتبار الاحتجاجات الأخيرة جرس إنذار جدي. المجتمع الذي يعود مرارًا إلى الشارع للتعبير عن مطالبه، في الواقع، يعلن عن إغلاق قنوات الحوار والإصلاح العادية. إذا بقيت استجابة القيادة محدودة بإدارة الأزمة الأمنية والوعود العامة، فإن احتمال تكرار هذه الاحتجاجات وحتى تصعيدها ليس بعيدًا عن التوقعات. مستقبل الاستقرار الاجتماعي في إيران مرتبط أكثر من أي شيء بهذا السؤال: هل هناك إرادة حقيقية للاستماع، قبول المسؤولية، والإصلاح أم لا؟

