الهجمات العسكرية وعودة شبح العقوبات آلية الزناد تُفعّل من جديد
زناد العقوبات على صدغ طهران هل إيران على وشك العودة إلى العزلة العالمية
مع وقف التعاون الطوعي لإيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية كرد فعل على الهجمات العسكرية الإسرائيلية والأمريكية ضد المنشآت النووية، تشكلت حالة حرجة في الساحة الدبلوماسية الدولية مما أعاد إمكانية عودة عقوبات الأمم المتحدة ضد إيران إلى الواجهة، وهي عقوبات يمكن تفعيلها في إطار آلية تُعرف بآلية الزناد.
هذه الآلية التي أُدرجت في نص الاتفاق النووي لعام 2015 (الاتفاق النووي الإيراني)، أصبحت الآن في الذكرى العاشرة لتوقيع هذا الاتفاق من قبل الدول الأوروبية الثلاث المتبقية فيه، وهي بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مرة أخرى كأداة للضغط على إيران.
وفقًا لقرار مجلس الأمن رقم 2231 الصادر في يوليو 2015، من المقرر أن تنتهي صلاحية بعض الأجزاء الأساسية من الاتفاق النووي، بما في ذلك إمكانية تفعيل آلية الزناد، في أكتوبر 2025. ومع اقتراب هذا التاريخ، زادت التحذيرات الغربية بشأن احتمال عودة العقوبات.
في هذه الأثناء، تجد طهران نفسها في موقف معقد، فهي لا تواجه فقط تهديد استعادة العقوبات بالكامل، بل أظهرت الهجمات الإسرائيلية الأخيرة أن منشآتها النووية معرضة للهجمات العسكرية. هذا الواقع جعل آفاق المفاوضات المستقبلية معقدة للغاية.
ما هي آلية الزناد وكيف تعمل؟
في هيكل الاتفاق النووي، توجد آلية للتعامل مع النزاعات في حال انتهاك الالتزامات من قبل الأطراف، تُعرف بآلية حل النزاعات أو ما يُعرف بآلية الزناد. هذا الإجراء معرف في البنود 36 و37 من الاتفاق النووي ويمكن أن يؤدي إلى عودة تلقائية للعقوبات الدولية.
إذا اعتقد أحد أعضاء الاتفاق النووي أن الطرف الآخر لا يلتزم بتعهداته، فإنه يحيل المسألة أولاً إلى اللجنة المشتركة للاتفاق.
تملك هذه اللجنة 15 يومًا في الخطوة الأولى لمراجعة النزاع، وإذا استمر النزاع، تُرفع المسألة إلى مستوى وزراء الخارجية الذين يملكون أيضًا 15 يومًا لمعالجتها. في حالة عدم حل المسألة، يمكن أن يؤدي الأمر في النهاية إلى إحالة القضية إلى مجلس الأمن الدولي.
النقطة الرئيسية هنا أنه إذا منع أحد الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، مثل الولايات المتحدة أو بريطانيا، تمرير قرار تمديد تعليق العقوبات، فإن العقوبات السابقة تعود تلقائيًا دون الحاجة إلى إجماع أو تصويت جديد.
لهذا السبب، شُبّهت هذه العملية بالزناد، حيث يمكن لضغط صغير أن يُفعّل زنادًا كبيرًا.
هل يمكن للولايات المتحدة تفعيل آلية الزناد؟
رغم أن الولايات المتحدة تلعب دورًا رئيسيًا في التطورات النووية الإيرانية، إلا أنها من الناحية القانونية لم تعد مؤهلة لاستخدام هذه الآلية بعد انسحابها من الاتفاق النووي في عام 2018.
في عام 2020، حاولت واشنطن استخدام هذه الأداة ضد طهران، لكن أغلبية أعضاء مجلس الأمن لم يقبلوا هذا المحاولة.
لذلك، إذا كان من المقرر الآن تفعيل آلية الزناد، يجب على الدول الأوروبية المشاركة في الاتفاق أن تتولى المبادرة.
من الاتفاق النووي إلى الأزمة الحالية، كيف وصلنا إلى هذه النقطة؟
وُقع الاتفاق النووي بهدف وقف تقدم البرنامج النووي الإيراني ورفع العقوبات. تعهدت طهران بتقييد مستوى التخصيب وتوفير إمكانية التفتيش الأوسع للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ومع ذلك، أدى الانسحاب الأحادي للولايات المتحدة من الاتفاق خلال رئاسة ترامب وإعادة فرض العقوبات الاقتصادية إلى تعكير مسار الاتفاق.
في المقابل، تراجعت إيران تدريجيًا عن تنفيذ بعض التزاماتها، حيث تخلت طهران في إطار خمس مراحل عن الحدود المحددة لمخزونات اليورانيوم ومستوى التخصيب وتطوير أجهزة الطرد المركزي والنشاط في بعض المواقع النووية.
في النهاية، زاد مستوى تخصيب اليورانيوم إلى 60%، وهو مستوى يقترب من العتبة العسكرية.
حذرت الدول الأوروبية مرارًا من أن هذا المسار قد يؤدي إلى تفعيل آلية حل النزاعات، لكن في الواقع لم يتم اتخاذ مثل هذا الإجراء.
الهجوم الإسرائيلي نقطة تحول في المواجهة النووية
في يونيو 2025، شنت إسرائيل استنادًا إلى التهديد المحتمل الناجم عن مخزونات التخصيب الإيرانية هجومًا عسكريًا واسعًا ضد المنشآت النووية الإيرانية.
دُعمت هذه العملية من قبل الولايات المتحدة بهدف إعاقة البرنامج النووي للجمهورية الإسلامية.
رغم أن إيران أكدت أن أنشطتها النووية ذات طبيعة سلمية، إلا أن الهجوم الإسرائيلي غيّر جميع المعادلات.
الأضرار التي لحقت بالمواقع النووية والضغوط السياسية واحتمال تفعيل آلية الزناد شكلت وضعًا غير مسبوق للحكومة الإيرانية.
موقف طهران: الاستمرار في المقاومة أم العودة إلى طاولة المفاوضات؟
يعتقد بعض كبار المسؤولين في الجمهورية الإسلامية أن بعد الهجوم العسكري وفقدان جزء من الإنجازات النووية لم يعد هناك سبب لمواصلة التعاون مع الوكالة أو التفاوض مع الغرب.
برأيهم، يجب على إيران المضي قدمًا في برنامجها النووي دون أي قيود.
لكن الواقع أكثر مرارة من هذه التحليلات، فالعزلة المتزايدة على المستوى الدولي، والانكشاف الواضح أمام الهجمات الجوية، والأزمة الاقتصادية الحادة جميعها تشير إلى أن خيار قطع التعاون بشكل كامل قد يكون له ثمن باهظ.
نظرة إلى المستقبل: ما هي عواقب تفعيل آلية الزناد؟
إذا قررت الدول الأوروبية بدء عملية إعادة العقوبات، فقد تجد إيران نفسها مرة أخرى تحت عقوبات مجلس الأمن الثقيلة، وهي عقوبات كانت قد قيدت بشكل كبير صادرات النفط والتعاملات المصرفية والتجارة الخارجية لإيران في الماضي.
نظرًا للوضع الحالي لاقتصاد إيران وتراجع الدعم الدولي، فإن تفعيل آلية الزناد يمكن أن يجعل وضع البلاد أكثر حرجًا مما هو عليه.
العودة إلى الوضع قبل الاتفاق النووي، بدون أي إنجاز ملموس، قد يكون له تكلفة سياسية واقتصادية قد لا تكون قابلة للتعويض بسهولة.

